السيد عبد الأعلى السبزواري
200
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « من تشبّه بقوم فهو منهم » ، وفي الحديث القدسي : « لا تسكنوا مساكن أعدائي ، ولا تلبسوا ملابس أعدائي فتكونوا أعدائي » ، وفي الحديث : « ليخرجن ناس من قبورهم على صورة القردة بما داهنوا أهل المعاصي ثم وكفوا عن علمهم وهم يستطيعون » ، أي قصّروا ونقصوا عن علمهم . و ( من ) في قوله تعالى : مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ للابتداء ، ومادة ( دون ) من الدنو ، وهو إما في المحل ، أو في الحال ، أو في العمل ، وقد اشتهر استعمالها في ظرف المكان ، وتتضمّن معنى الغيريّة مع الإشعار بأن المورد الذي أضيف إليه ( دون ) فيه نحو دناءة وسفالة بالنسبة إلى غيره . قال تعالى : قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ سورة المائدة ، الآية : 76 ] ، وقال تعالى : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ سورة المائدة ، الآية : 116 ] ، ولا ريب في دناءة كلّ ذلك بالنسبة إلى اللّه تعالى . وقال جلّ شأنه : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ سورة النساء ، الآية : 116 ] ، أي ما سوى ذلك الذي ممّا هو أدون حزازة من الشرك والكفر . والمعنى : لا يعدل المؤمنون بولايتهم عن المؤمنين إلى الكافرين ويتّخذوهم أولياء في المحبّة والنصرة والعمل ، فإن الكافرين أدون مكانا وأسفل درجة من المؤمنين ، الّذين هم أعلى مكانا وأشرف رتبة ودرجة . ويستفاد من الآية الشريفة أن سبب النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين هو الإيمان والكفر ، اللذين بينهما غاية التباعد والتنافر والبينونة ، بحيث أن كلّ من يقترب إلى أحدهما يبتعد عن الآخر بمقدار ما اقترب من الأوّل ، بل قد يوجب الاتحاد وفساد الآخر ، لما عرفت أن الولاية قد توجب الاتحاد والاعتماد ، فإذا تولّى المؤمن الكافر أوجب ذلك فساد إيمانه والابتعاد عن اللّه تعالى ، كما نبّه على ذلك في ذيل الآية المباركة : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ .